ستيك فيليه كورس كامل — تجربتي مع أمي بـ ٨٠ درهم
جدول المحتويات
17 عناصر
كان صيف من زمان، رحت أنا وأمي نتعشى ستيك في مدينة ديجون — مدينة وسط كوريا الجنوبية. عادةً نأكل قريب من البيت وما نروح نخصّ مطعم ستيك متخصص إلا نادر. بس ذاك اليوم كنت متشهّي لحم، وأمي كانت فاضية فقلنا يلا نطلع. الشي اللي يميّز مطاعم الستيك في كوريا إنهم ما يحطون لك قطعة لحم وبس — يطلعون لك شوربة وسلطة وخبز كأنه كورس كامل، وهذا يختلف عن ستيك هاوسات أمريكا أو أوروبا. السبب إني لين اليوم أتذكر هالعشا هو إن الفيليه ذاب في حلقي — بس هالسالفة بخليها لبعدين.
أجواء المطعم من داخل

أول ما دخلنا، لقيت بيانو قديم محطوط على جنب. قوائم الطعام مكدسة فوق المفاتيح، يعني واضح إنه ما أحد يعزف عليه، بس بين الجدران الإسمنتية والكراسي الخشبية كان شكله يناسب المكان وايد. الضو اللي داخل من النافذة كان يضرب على البيانو، وصراحة ما توقعت هالأجواء من مطعم في حي عادي. يعني في كوريا، الواحد بعد الدوام يروح مشاوي كورية عادي، بس إنك تروح مطعم ستيك خصوصي شي ثاني — وبس إنك قاعد هناك، حسيت إن اليوم مختلف.
ترتيب الطاولة

لما قعدنا، كان كل شي مرتب جاهز. سكين ستيك بمقبض خشبي، شوكة، وملعقة — كلها مصفوفة على المفرش. الماء كان معبّى في قوارير بيرة خضراء. أمي سألت: "هذي خمر؟" فصبّيت لها وطلع ماء عادي. كل الطاولات عندهم نفس القوارير، يعني ستايل المطعم جذي. هالتفاصيل الصغيرة هي اللي تصنع الأجواء.
بداية الكورس — الشوربة والخبز

بعد ما طلبنا، أول شي وصل هو الشوربة. أغلب مطاعم الستيك الكورية تمشي على هالترتيب — تبدأ بالشوربة وتطلع الأطباق وحدة وحدة لين الطبق الرئيسي، زي كورس كامل. اللي وصلنا كانت شوربة كريمة، فوقها شوية بقدونس وفلفل أسود، وداخلها حبيبات صغيرة مفرومة. الكمية ما كانت وايد بس هي أصلاً دورها تفتح النفس قبل الطبق الرئيسي، فكانت كافية.

هذا الخبز اللي يا مع الشوربة. قطعتين باغيت في سلة راتان، فوقهم شوية بقدونس وأثر زبدة خفيف. بس ما كان من نوع خبز الثوم الطري اللي صار منتشر في مطاعم الستيك الكورية هالأيام — كان باغيت عادي، مقرمش من برا وناشف شوي من داخل.

بس لما تغمسه في الشوربة، القصة تتغير تماماً. القشرة المقرمشة تمتص الكريمة والنشافة تختفي. هذا السبب إن مطاعم الستيك الكورية دايماً تطلع الشوربة والخبز مع بعض — لو تأكلهم لحالهم كل واحد عادي، بس مع بعض الكومبو يصير حلو.
سلطة السلمون — الطبق اللي أمي احتكرته

بعد الشوربة وصلت سلطة السلمون. في مطاعم الستيك الكورية عادي يحطون سلطة ضمن الكورس قبل الطبق الرئيسي. فوق الورق الأخضر كان في خمس ست شرائح سلمون مدخن سخية، وبينهم حبات كبر (capers) متناثرة. الصوص كريمي بس مع السلمون ما كان ثقيل — يمرّ بسلاسة. أمي من عشاق السمك النيّ، فكانت بتخلّص الطبق لحالها. قاعدة تلقط السلمون بالشوكة قطعة قطعة، فقلت لها: "كلي شوية خضار"، ردت عليّ: "أنا يايه عشان هذا."
السلمون عن قرب


من قريب، حالة السلمون كانت ممتازة. الألياف واضحة واللون برتقالي متساوي، وكل شريحة مقطوعة سميكة فكان لها قوام حلو لما تمضغها. بين الخضار تشوف حبات الكبر مختبئة، وكل ما تعضّ وحدة تفرقع وتطلع نكهة حامضة. لو كان الصوص الكريمي لحاله جان صار الطبق رتيب، بس الكبر هو اللي يسوي التوازن.


لما ترفع شريحة سلمون بالشوكة، الخضار تطلع معاها والصوص ينزل. أحلى طريقة كانت إنك تلف السلمون حول الخضار وتاكلهم مع بعض — طراوة السلمون مع قرمشة الخضار في لقمة وحدة. أمي طبعاً ما سوت جذي، قاعدة تسحب السلمون لحاله.
سلطة ستيك الستربلوين


لما كنا نخلّص سلطة السلمون، وصل الطبق اللي بعده. هالمرة كان ستربلوين محمّر على نار عالية من برا وباقي وردي من داخل، مقطوع شرائح رقيقة فوق خضار — سلطة ستيك. فوقها حلقات بصل متفرقة، وعلى سطح اللحم تشوف حبيبات توابل برتقالية يعني واضح إنهم حاطين سيزننق خفيف. بعد سلطة السلمون وهالطبق ورا بعض، بطني بدأت تشبع قبل حتى ما يوصل الطبق الرئيسي. من قريب تشوف قطع اللحم ناضجة ميديوم بالضبط — السطح بني محروق والداخل وردي يميل للأحمر. الشي الوحيد اللي ما عجبني إن البصل كان وايد، وأحياناً تمضغ البصل قبل اللحم.
قطعة ستربلوين عن قرب


لما تغرز الشوكة في قطعة وترفعها، القطع يبيّن واضح — من برا بني محمّر وحلو، ومن داخل وردي ساطع، قريب من ميديوم رير. لما حطيتها في صحن ثاني طلعت قطعتين لحم مع بصل وشوية خضار — كطبق وسط الكورس الكمية مناسبة.
الطبق الرئيسي — وصل الفيليه

أخيراً وصل الطبق الرئيسي. ستيك الفيليه. قطعة سميكة في نص الصحن، وجنبها صوص بني غامق مرسوم على شكل نص دائرة. عند طرف الصوص كان في فصّين ثلاث فصوص ثوم مشوي، وعلى الطرف الثاني ملح خشن وفلفل أسود. الفيليه (التندرلوين) هو الجزء الداخلي من ظهر البقرة، دهنه قليل وايد وميزته إنه ناعم. من بين كل قطع الستيك، هذا أطرى قطعة — السكين يدخل فيه تقريباً بدون ما تضغط.
تفاصيل الفيليه



من فوق، خطوط الشواية واضحة على السطح وحبات الفلفل الأسود متناثرة هني وهناك. من الجنب، السماكة كانت تقريباً قد إصبعين، والشكل الدائري المتماسك حق الفيليه واضح. من الجنب تشوف الدهن يطلع خفيف ويعطي لمعة، ولما تصوّر من قريب وايد تشوف كيف القشرة محمّرة بشكل متين — بين الشقوق كانت قطرات العصارة متجمعة. الصوص كان ديميغلاس غامق ومركّز، وفصوص الثوم المشوي اللي جنبه كانت نص غارقة في الصوص وتلمع.
السايد — خضار مشوية

الستيك ياه معاه سايد بس مو في نفس الصحن — في طبق صغير لحاله. فيه كوسا وبصل وفطر وفلفل أحمر، كلهم مشويين. يبدو إنهم مقلّيين بشوية زيت بس بدون ملح تقريباً، فلفل أسود خفيف وبس. لو كان مطعم مشاوي كوري تقليدي جان حطوا لك عشر أطباق جانبية على الأقل، بس مطعم ستيك هذا كل اللي عنده. أمي شافت الطبق وطالعته بنظرة "هذا بس؟!"، بس المطاعم الغربية جذي وما نقدر نسوي شي. الشي الحلو إنه لما تأكل لحم فترة وتحس فمك صار ثقيل، تاخذ قطعة خضار وتنعش شوي — يعني خذا دوره.
نقطع الفيليه

يلا، ييا وقت القطع.


لحظة ما دخّلت السكين، ما احتجت أضغط تقريباً. الفيليه أصلاً قطعة ناعمة، بس هذا كان مستوى ثاني — السكين ينزلق بسلاسة. القطع يبيّن الوسط وردي ساطع، وكل ما تروح للطرف يتدرج للبني — ميديوم رير بالضبط. لما قطعت قطعة ثانية، شفت العصارة متجمعة من داخل، وبدأت تنزل على الصحن وتختلط مع الصوص. أمي شافت اللون الأحمر من داخل وقالت: "هذا ما استوى!"، فقلت لها جربي قطعة — وهي مترددة مدّت الشوكة.
قطعة مغموسة بالصوص

قطعت قطعة وغمستها في صوص الديميغلاس زين. لما رفعتها، الصوص كان ينزل على سطح اللحم. في الفم، طعم اللحم الخفيف يجي مع حلاوة الصوص الغنية بنفس الوقت. الفيليه لأنه قليل الدهن ممكن يطلع بلا نكهة قوية، بس هالصوص يعوّض هالشي بالضبط.
الطعم — لحم يذوب قبل ما تمضغه
تحطه في فمك ويذوب قبل ما تبدأ تمضغ. حسيت بهالشي من لما كنت أقطعه بالسكين — على اللسان ما تحتاج تضغط، اللحم يتفكك لحاله. لو تاكله بدون صوص مع شوية ملح خشن، طعم اللحم الأصلي يطلع صافي وواضح. ولو تغمسه بالصوص، تتراكم طبقات من الحلاوة والأومامي. أنا كنت أناوب بين الطريقتين. يعني هنا في الإمارات نقدر نروح ستيك هاوس وقت ما نبي، بس في كوريا موضوع الستيك مختلف — الواحد لازم يخصص وقت ويروح مكان معيّن. عشان جذي كل مرة تييك الفرصة تحس إنها شي مميز.
الملاحظة الصريحة — الكمية قليلة
أكبر ملاحظة على هالوجبة هي الكمية. الكورس لما تشوفه على الورق يبان متكامل — شوربة، سلطتين، سايد، وطبق رئيسي. بس في الواقع، الفيليه نفسه ما يوصل ١٥٠ غرام، ولما تخلّص تحس إنه ناقص شي. صح إن بطنك تشبع شوي خلال الكورس، بس هذا من الخبز والسلطات مو من اللحم. اللي يحب اللحم ويروح مطعم ستيك عشان اللحم، هالإحساس إن الطبق الرئيسي ما كفّى يبقى معاك فترة.
أسعار اللحم البقري في كوريا — ليش غالي؟
في كوريا، ستيك فيليه بهالمستوى يكلّفك تقريباً ٨٠ إلى ١١٠ درهم إماراتي.
في أستراليا، نفس المستوى يطلع بحدود ٥٥ درهم، وفي أمريكا بعد أرخص من كوريا بفرق واضح.
كوريا مع اليابان من أغلى الدول في العالم في أسعار اللحم البقري.
اللحم الكوري المحلي — اللي يسمونه هانوو (Hanwoo) — سعره ثلاث أربع مرات أكثر من المستورد. وحتى المستورد، بعد الجمارك وتكاليف التوزيع، يطلع أغلى بوايد من سعره في بلد المنشأ. بس الغلا له سبب. الهانوو فيه تشعّب دهني (ماربلينغ) دقيق وكثيف، ولو انشوى صح تنفجر العصارة. وحتى اللحم المستورد، لما يمر على إيد الطبّاخين الكوريين، نادر يطلع سيئ. رأيي الصريح إن اللحم في كوريا غالي بس يستاهل اللي تدفعه.
رير ولا ميديوم رير — عالم ينقسم فيه الناس
أنا أقدر آكل رير وميديوم رير عادي، بس هالموضوع يفرّق الناس بشكل واضح. حتى بين الكوريين في ناس ما يقدرون يأكلون لحم أحمر من داخل. أمي كانت من هالنوع، بس ذاك اليوم بعد ما جربت قطعة وحدة، سكتت وكملت تاكل بدون ما تعلّق. زوجتي أصلاً ما تأكل لحم بقر، فما في فرصة نروح نتعشى ستيك مع بعض. دايماً أتحسّف إني ما أقدر أشارك هالطعم معاها، وعشان جذي بالذات هاليوم اللي طلعت فيه مع أمي صار له مكان خاص في ذاكرتي.
في طريق الرجعة
في السيارة وإحنا راجعين البيت، أمي قالت بهدوء: "المرة الياية ودّني مرة ثانية." ضحكت وقلت لها إن شاء الله. في بالي إني المرة الياية أحاول أقنع زوجتي تيي معانا. بس لأنها ما تأكل لحم بقر، أشوفها صعبة شوي.