سوشي كورادو أوبيهيرو | أوماكاسي ما تنساهش من هوكايدو
جدول المحتويات
14 عناصر
شتاء 2016، مطعم سوشي صغير في أوبيهيرو بهوكايدو
أي واحد جرّب السوشي في اليابان، غالباً يفهم واش نقصد. ماشي بالي المكونات مختلفة بزاف عن اللي نلقاوها في بلايص أخرى، بصح كي تحط قطعة في فمّك، تحس بحاجة ما تقدرش تفسّرها — "هذي حاجة أخرى خالص." أول مرة حسّيت بهاد الفرق كانت في مطعم صغير اسمه كورادو في مدينة أوبيهيرو بجزيرة هوكايدو اليابانية.
كان هذا في شتاء 2016، رُحت أنا وصاحبي لأوبيهيرو. وقتها ما كناش نعرفو واش لازم ناكلو ولا وين نروحو، غير نتمشّاو في المدينة. دخلنا لكورادو قريب من محطة أوبيهيرو على العشاء، ماشي مطعم مشهور عند السياح — غير محل صغير هادئ في زنقة جانبية. رُحت لبزاف مطاعم في هوكايدو وأغلبها نسيتها، بصح ذاك العشاء مازال واضح في راسي كأنه البارح. صحيح فاتو عليها سنين وممكن تبدّلو حوايج، بصح خلّيني نحكيلكم القصة.
عشر دقائق تايهين قدّام المينو اليابانية


كي قعدنا جابولنا سيرفياط مبلّلة والمينو، بصح وقتها تطبيقات الترجمة ماشي كيما دروك، قعدنا حنا والمينو اليابانية نتخبّطو. قعدنا أنا وصاحبي بالتليفونات نصوّرو حرف حرف ونترجمو — دارتلنا عشر دقائق غير باش نكومندو. الصفحة اليمنى فيها المشروبات: بيرة بريميوم بـ 650 ين (حوالي 600 د.ج)، ساكي من 450 ين. كي تقلب للصفحة اليسرى تلقى الساكي الياباني والمقبّلات. الصورة الثانية فيها المينو تاع الأكل: أوتشازوكي بالسلمون — أرز فوقه سلمون ويصبّولك عليه مرقة شاي ساخنة — وحداه أوتشازوكي الأنقليس المميز وأنقليس مشوي على الأرز. كان كاين حتى أوماكاسي ياباني، يعني الشاف يختارلك أحسن حاجة وصلتو في النهار ويحضّرلك بيها سوشي. كان كاين زادة بول صغير تاع فواكه البحر الموسمية. في الأخير أنا خيّرت الحاجة اللي كانت على أوّل المينو — سوبا بفواكه البحر، نودلز باردة فوقها بحريات — وقتها ما كنتش نعرف واش هي، غير خيّرتها لأن الحرف الأوّل قدرت نقراه.
علاه العيدان اليابانية يحطّوها بالعرض


تحضير الطاولة كان نظيف بزاف. حصيرة ورقية بيضاء عليها اسم المطعم مطبوع بالفضي، والعيدان الخشبية محطوطة مرتّبة على حامل سيراميك صغير، وحتى العيدان نفسها مكتوب عليها اسم المطعم.
وهنا كاين حاجة مثيرة. عندنا في الجزائر كي ناكلو بالفورشيطة والسكين نحطّوهم بطريقة معيّنة. في اليابان يحطّو العيدان بالعرض قدّامك. وهذي ماشي غير عادة، كاين سبب ثقافي وراها. اليابانيين يشوفو بلّي كي يكون راس العود يبان لواحد آخر هذي قلّة أدب، فيحطّوهم بالعرض باش الراس ما يشير لحتى واحد. وكاين معنى آخر: العيدان المحطوطة بالعرض كأنها حد فاصل بينك وبين الماكلة، معناها "نقبل هاد الماكلة بالشكر." صاحبي ما كانش يعرف هاد الحاجة، قلب العيدان بالطول وبدا ياكل — وشفت ناس يابانيين في الطاولة اللي حدانا شافوه بطرف عينيهم. مازلت ناعيها هاديك اللحظة.
أوّل طبق: أغيداشي دوفو



أوّل حاجة جاتنا كانت هاد الصحن الصغير. صحن سيراميك بني، وفي الأوّل ما عرفتش واش كان. فوق كانو ورقتين تاع البازلاء، وتحت كانت قطعة محمّرة غارقة في مرقة. كي رفعتها بالعيدان لقيت بلّي هي أغيداشي دوفو — يعني توفو (جبن الصويا) مغلّفة بطبقة رقيقة تاع القلي وبعدها يغمسوها في مرقة داشي ساخنة. كي حطّيت بوشة في فمي، القشرة الخارجية مازال فيها شوية قرمشة والداخل طري بزاف ما تتخيّلش. المرقة على أساس صويا بصح ماشي مالحة، فيها أوماني — ذيك النكهة الخامسة — تتسرّب داخل التوفو بهدوء. ما تشبه والو الأطباق اللي نعرفوها عندنا. صاحبي حسبها حاجة أخرى وقال "هذي بنينة"، بصح الحقيقة هي طبق مختلف تماماً. الكمية كانت صغيرة بزاف، بصح من هاد القطعة الوحدة فهمت مستوى هاد المطعم.
سلاطة يكمّلوها قدّامك على الطاولة




بعدها جات السلاطة. صحن أبيض واسع فيه خس وطماطم، بصح ماشي هذا وصافي. الخادم حطّ الصحن وبدا يزيد فوق فتات مقرمش كيما فتات القلي، وبعدها بشر جبن أبيض بنعومة فوقها كأنه ثلج يطيح. التحضير المباشر على الطاولة كان عندو شارم خاص. كي تقرّب تشوف، الفتات كان رقيق وخفيف بزاف — ممكن يكون ورقة عجينة مقلية ولّا يوبا (قشرة الصويا المقلية). حتى دروك ما نعرفش بالضبط واش كان، بصح كي تاخد لقمة مع الخضرة تحس بالقرمشة فوق الطراوة وهاد المزيج يخلّي فمّك يفرح. صاحبي ما كانش متحمّس للسلاطة، كلا بوشة وحدة بلا حماس وقال "واش هذي؟ بنينة والله!" وولّى يمدّ العيدان حتى لصحني. بصح الكمية ما كانتش كبيرة بزاف، ما تكفيش زوج باش يتهنّاو.

خلّيناه فارغ. ما بقى في الصحن غير أثر الصوص على القاع. حتى فكّرت نمسحو بصبعي — الصوص نفسو كان لذيذ لهاد الدرجة. الأكل الياباني لازم نعترفو بيه في هاد الجانب: كل مادة أولية جودتها عالية بزاف. الخضرة طازجة والصوص محضّر بعناية. بصح بالنسبة لمعدة جزائرية، بصراحة، الكمية ما تكفيش. عندنا في الجزائر بهاد السعر تجيك مائدة كاملة: شوربة، خبز، سلاطة، طبق رئيسي، وديسير. هنا يجيك صحن زين فيه قطعة، صحن آخر زين فيه قطعتين — العين تتهنّا بصح الكرش تبقى تبعثلك إشارات. صاحبي قالّي "هذي هي الكمية؟" وما لقيت واش نقولّو.
ساتسوما-أغي: اللي بدّلتلي فكرتي على كفتة السمك



الطبق اللي بعده جا على صحن أخضر على شكل ورقة شجرة. قطعة محمّرة ذهبية عليها خطوط سكين متقاطعة — في الأوّل حسبتها سمكة مشوية. على الجنب كانت نقطة صغيرة تاع واسابي، ومن ورا كانت قطعة أصغر محمّرة هي زادة.
كي قطعت بوشة ودقتها لقيتها حاجة كيما كفتة السمك. ساتسوما-أغي — كفتة سمك يابانية تقليدية، يطحنو فيها لحم السمك ناعم ويعجنوه ويحمّروه حتى يولّي ذهبي. مختلفة بزاف عن اللي نعرفوها عندنا. الكفتة اللي نعرفوها عندها تماسك معيّن وتكون مطاطية شوية، هذي كانت أطرى بكثير وطعم السمك نفسو كان واضح وقوي. القشرة الخارجية فيها شوية قرمشة بصح الداخل رطب ومفتّت بلطف. كي تغمسها شوية في الواسابي تحس بيها تفتحلك أنفك وتبرز النكهة الغنية للسمك أكثر. قلت لصاحبي "هذي كفتة سمك؟ معقول؟" — كانت بعيدة بزاف على الصورة اللي في راسي.
أوماكاسي سوشي 5 قطع، هذي لزوج؟

وأخيراً جا الطبق الرئيسي. أوماكاسي ياباني — الشاف يختارلك أفضل المكونات اللي وصلتو نهار ذاك ويحضّرلك بيها سوشي. كانو مرتّبين في خط واحد على صحن أحمر طويل: من اليسار تونة، بعدها سمكة بيضاء عليها خطوط سكين، بعدها قطعة بيضاء شفافة تبان كوكي سان جاك (محار)، سمكة بيضاء أخرى، وفي الأخير غونكان-ماكي بقنفذ البحر ملفوف بالنوري. في الوسط كان غاري — شرائح زنجبيل مخلّل رقيقة باش تنظّف الفم بين قطعة وقطعة — وصحن صغير تاع صويا.
بصح هاد الـ5 قطع كانو لزوج. يعني قطعتين ونص لكل واحد. كي شفنا الصحن تلاقينا أنا وصاحبي نظرة وحدة — نفس التعبير: "واش هذا وصافي؟" كي تعوّد على الأطباق الكبيرة، هاد الكمية تصدمك. بصح ما خلاصش عند هاد الصحن — كان كاين تتمة وراه.
قنفذ البحر، القطعة اللي بدّلتلي حياتي

قنفذ البحر — أوني بالياباني. نوري (ورقة الطحالب) يلف الأرز وفوقه قنفذ بحر برتقالي اللون. جاتنا غير قطعة وحدة. صاحبي ما يقدرش ياكل قنفذ البحر بسبب الريحة، حتى ما شافها، فطاحت عندي مباشرة. بصراحة حتى أنا ما كنتش نتوقّع حاجة منها — من عمري وأنا نتجنّب قنفذ البحر. بصح كي هو داخل في الكورس ما يمكنش نخلّيه، غمّضت عينيّ وحطّيتها كامل في فمي — ما كانش فيها ريحة الحوت نهائياً. والله. ماشي ريحة البحر، كأنها حلاوة البحر. كريمية تذوب على لسانك وفي الأخير تحس بشوية حلاوة خفيفة. هديك اللحظة فهمت لأوّل مرة واش معناها قنفذ البحر الحقيقي. قلت لصاحبي "جرّب يا خويا، ما فيهاش ريحة والله" بصح حرّك راسو يمين شمال ورفض. مازلت نتحسّر عليها — كان لازم يذوقها معايا ديك المرة.
كل قطعة سوشي وحدها عالم

التونة على الصحن الأحمر كان التباين خرافي. لون ياقوتي غامق مع خطوط ناعمة في اللحم ولمعان على السطح تحت الضو. كانت سميكة بزاف فوق الأرز لدرجة ما تشوفش حبّات الأرز تقريباً. كي تحطّها في فمّك ما تحسّش بلّي تمضغ — تذوب وخلاص. كأن الدهون متوزعة بين ألياف اللحم، وفي درجة الحرارة هديك — لا باردة لا دافية — طلعت نكهة السمك الغنية.


الحداه كان كالمار (حبّار). السطح عليه خطوط سكين متقاطعة ناعمة باش الصويا تتسرّب بين الشقوق — وهاد الخطوط خلّاتو ما يكونش قاسي، بالعكس طري ومريح في المضغ. فيه شوية مطاطية لطيفة بصح سنانك تدخل بسهولة. وحداه كانت القطعة الشفافة البيضاء — كوكي سان جاك على ما يبان — سطحها ناعم ولامع ورطب. كي تاكلها تجيك الحلاوة أوّلاً وبعدها ريحة البحر تنتشر بهدوء. الزوج يتشابهو في اللون الأبيض بصح الطعم في اتجاهين مختلفين تماماً.

القطعة الأخيرة كانت كالمار بلا خطوط سكين، مقطوع رقيق مع الألياف الطبيعية، وكانت عندها ملمس مطاطي يبقى في الفم وقت طويل. حتى صاحبي اللي كان يتكلّم على الكمية سكت في هاد اللحظة.
رولو الأفوكادو اللي ما توقّعتوش

بعدها جا رولو الأفوكادو. مرتّب بخط واحد على صحن طويل، بصح بصراحة ما كنتش منتظر حاجة. الأفوكادو ماشي من الفواكه المعروفة بزاف عندنا في الجزائر، والناس اللي يعرفوه يتقسمو بين حاب وكاره. حتى أنا وقتها ما كنتش نحبّو. صاحبي شاف الصحن وقال "هذا أفوكادو؟ لالا مرسي" ونزّل العيدان.



بصح كي قرّبت، الجودة كانت ما تتوصفش. الأفوكادو مقطوع رقيق كالورقة، شريحة فوق شريحة، والتدرّج الأخضر طالع منتظم بزاف. الفتات المقرمش فوقها كل قطعة بنفس الحجم، والصوص مرشوش بزيغ زاغ دقيق. الحشوة تبان بين الأرز — بحريات معبّية بلا أي فراغ. كي تشوف المقطع، حبّات الأرز كل وحدة مستقلة ما هيش ملصقة — بديت بلا توقعات بصح عينيّ اعترفو قبل فمّي.

رفعت وحدة بالعيدان وصوّرتها — الأفوكادو الرقيق يلفّ من برّا والمقطع يبيّن الأرز المرصوص والشكل ثابت ما تفكّكش. حتى الفتات المقرمش فوق ما طاحش. اللي دار هاد الطبق عندو يدين دقيقة بزاف.
كيما قلت، الأفوكادو ماشي متّفق عليه عند الناس. فعلاً كليت بوشة بلا حماس، بصح كي ذابت في فمّي تبدّلت الدنيا. ماشي ذاك الطعم الفاتر المعتاد — كانت ناعمة وفيها نكهة غنية كيما الجبن. كي تمضغها مع الأرز تطلع شوية حموضة الخل اللي تقطع الدسم بالضبط. ما صدّقتش بلّي هذا نفس الأفوكادو اللي نعرفو. السوشي الياباني يقدر يكون مختلف لهاد الدرجة — وفهمت هاد الحاجة من هاد البوشة الوحدة.
قطع السوشي على العيدان

التونة كي رفعتها بالعيدان اللون بان أكثر. ياقوتي غامق والألياف ناعمة متقاربة، والسطح يلمع تحت الضو. السماكة كانت كافية باش تغطّي الأرز تقريباً كامل.

الكالمار كان أبيض نص شفاف وهذا اللي لفت انتباهي. الخطوط الدقيقة على السطح خلّاتو كي ترفعو بالعيدان ينحني شوية بلا ما ينقطع. السطح الناعم اللامع كان دليل واضح على الطزاجة.

هذا كان كوكي سان جاك تاع هوكايدو. اللحم كان منفوخ وسميك لدرجة تحس بالثقل على العيدان. لونه أبيض حليبي مع شوية شفافية — مختلف تماماً على اللي تشوفو في السوق العادي.
صحون فارغة وندامة صادقة

خلّصنا كلش. الصحن الأحمر ما بقات فيه غير قطعة غاري وحيدة، والصحن الأبيض بقاو فيه خطوط الصوص كأنها لوحة فنية. حتى الصحن الأخضر فرغ والصويا نشفت. كلينا كلش أنا وصاحبي بلا ما خلّينا حتى حاجة.
من ناحية الطعم ما عندي ما نقولو. من أغيداشي دوفو للسلاطة للساتسوما-أغي وأوماكاسي السوشي ورولو الأفوكادو — ما كان حتى طبق ناقص. كل صحن يجي تشوف بلّي الشاف ما دارش حاجة بالتساهل. بصح حاجة وحدة، الكمية. بالنسبة لمعدة جزائرية، بصراحة ما كفاتش. كنت نتهنّا بكل قطعة بصح كل مرة يفرغ الصحن نقول "بركا خلاص؟" ونفس الإحساس يتكرّر.
أسعار كورادو ومعلومات النشاط الحالي
المبلغ الدقيق اللي خلّصناه وقتها ما نتفكّروش، بصح حسب الأسعار الحالية تاع كورادو: كورس 6,000 ين (حوالي 5,400 د.ج) فيه 6 أطباق، كورس 8,000 ين (حوالي 7,200 د.ج) فيه 8 أطباق، وكورس 11,000 ين (حوالي 9,900 د.ج) فيه 8 أطباق وأكثر. أوماكاسي سوشي 5 قطع لوحدها بـ 1,520 ين (حوالي 1,370 د.ج). الميزانية المتوسطة للعشاء حوالي 5,000 ين للشخص، يعني لزوج مع الشراب تقريباً أكثر شوية من 10,000 ين. بسعر الصرف تاع 2016 هذا كان يساوي تقريباً 5,000 إلى 6,000 د.ج للشخص.
كي تبحث على مطاعم أوبيهيرو كورادو ما تلقاهاش بسهولة لأنها محل صغير. بصح لقيت بلّي مازالت خدّامة في نفس البلاصة. تبعد 12 دقيقة ماشي من محطة أوبيهيرو، مفتوحة من الاثنين للسبت من 17:30 حتى 22:00، والأحد عطلة. رقم التليفون: +81-155-66-5858.
طعم يبقى حتى بعد 8 سنين
في الأخير رجعنا ديك الليلة للسوبيرات وشرينا أونيغيري (مثلثات الأرز) باش نسدّو الجوع. وصاحبي وهو يحلّ الأونيغيري قالّي "ذاك قنفذ البحر ما يخرجليش من راسي." وأنا نفس الشيء. كاين مطاعم سوشي ممتازة في بزاف بلدان، والجودة تقدر تكون عالية في أي بلاصة. بصح السوشي كي تاكلو في البلاد وين تخلق — اليابان — ويحضّرهولك معلّم بيديه، حتى لو نفس المكونات، كاين حاجة مختلفة في الروح. ماشي معناها الآخرين ما يعرفوش يديرو سوشي، بصح هديك اللمسة تاع الأصل والإتقان الياباني تحس بيها. وأنا حسّيت بيها لأوّل مرة في هاد المحل الصغير. كي طفينا الضو في الشامبر ورقدنا، صاحبي قالّي في الظلام: "غدوة نروحو نفطرو هنا." ما رحناش في الغد، بصح بعد 8 سنين مازلت ناعي هاد الكلمة.